كلنا ذلك الشخص
في أوقات الأزمات تمر بنا لحظات نظلم فيها أنفسنا بشكل كبير جراء الضغط النفسي الشديد، نتمنى أحيانا لو لم نكن أنفسنا، فالأخطاء التي وقعنا بها، وشعورنا المستمر بالذنب، وقائمة الأمور التي كنا نريد فعلها ولم تتحقق، كل هذا يجعلنا نكره ذواتنا ونتمنى الانفصال عن هوياتنا المعروفة لنصبح أشخاصاً آخرين بصفاتٍ أفضل وأقرب للمثالية، وهذا قمة الألم لأنه لا أشد على النفس من إنكار ذاتها أو استصغارها.
أحسب أن أكثر ما نحتاجه في هذه اللحظات هو الطمأنة والتثبيت من الآخرين، لا نريد نصائحاً ولا تنظيراً ولا محاضرات، فقط نحتاج من يؤكد لنا أننا بخير، وأن كل ما نعانيه حالياً هو وضعٌ مؤقت، وأنه ليس علينا أن نتقمص شخصياتٍ لا تمثلنا، فنحن اليوم أفضل ما نستطيع أن نكونه. إننا نبحث عمن يكون بجانبنا وقتما نحتاجه، من لا يمل من العطاء، من لا يديننا بحكمه، بل يجبر خواطرنا المكسورة بلا تعالٍ، فيبذل كل جهده لنشعر بالتحسن أكثر فأكثر، حتى نصل إلى اللحظة التي نشعر فيها بأننا ملوك العالم.
أين يمكن أن نجد مثل هذا الصديق، ممن سيبعث فينا الروح من جديد؟ البعض يعتقد أنه يصعب وجوده في زمن أضحت فيه الأنانية واللامبالاة هما السائدتان في العلاقات. أعتقد أنه ليس من المعقول أن تخلو حياتنا تماماً من شخص كهذا، لكن الإحباط وسوء الظن في الآخرين ربما يكونان السبب في هذا الاعتقاد. نحن نظن أن الآخرين لا يستطيعون فهمنا وإدراك مكامن آلامنا، نعتقد أننا متفردون بالمعاناة، وأننا ضحايا أمور لا قبل لنا بمواجهتها، والحقيقة أننا جميعا متشابهون، جميعنا نكابد بشكل أو بآخر، جميعنا نتألم ونحتاج لمن يضمد جراحنا.
من ناحية أخرى، الآخرون أيضا - ممن نحسب أنهم متبلدو الحس - بحاجة لذلك الشخص الرحيم، هم في أعماقهم أطفال مساكين يبحثون عن الرعاية والتعاطف، وللأسف فهم لا يرون فينا ما يمكن أن يساعدهم على تخطي عثراتهم، إنهم لا يثقون بنا كفاية ليحكوا لنا أسرارهم وأوجاعهم، بل وربما خطاياهم، يقصوننا تماماً مع أننا في الحقيقة لن نمانع لو طلبوا منا العون، لأننا رحماء أيضا مثلهم.
المشكلة إذن ليست فينا ولا في الآخرين، المشكلة في قلة الثقة بيننا وبينهم، ملاك الرحمة ذاك ليس مفقوداً، بل هو متواجد دائماً حولنا، قد يكون الأب أو الأم أو الأخ أو الأخت، من يراسلنا دوماً ونتجاهله، من يسأل عنا ولا نسأل عنه، من يحبنا ولا نحبه. نجد غضاضة في الاعتراف بهذا، ولكنها قد تكون الحقيقة. لم لا نعطي من حولنا فرصة؟ خصوصاً من نظن أنهم السبب في معاناتنا من خاصة المقربين. إنهم أصلا لا يعرفون أننا بحاجة إلى المساعدة، وإن عرفوا فهم لا يثقون بقدرتهم على تقديم الدعم لنا. لم لا نوليهم الثقة الكاملة بأنهم قادرون على التخفيف من أحزاننا؟ إن ما ينقصهم هو ذات الحلقة المفقودة وهي (الثقة) بأننا نستحق دعمهم وعطفهم، وبالتأكيد نحن نستحق، وهم يستحقون أيضاً.
لو بحثنا في أعماقنا لعلمنا أننا كلنا ذلك الشخص: ملاك الرحلة المنتظر، ولكننا لا نظهره إلى الخارج بل نبقيه في الخفاء حتى يأتي الشخص المناسب فنمده بإشعاع المحبة هذا. ولكن تذكروا، الشخص المناسب قد لا يأتي، ربما يكون حاضراً الآن حولنا لكننا لا نريد أن نراه، ذاك المنسي والباقي في الظل هو في الحقيقة (نحن) في أشد لحظات ألمنا.


تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا برأي أو تعليق