رحلة إلى ذلك المنبر


عندما كنت برفقة صديقتي في جلسة هادئة في منزلهم القابع بحي الصفا بجدة، قالت لي وهي تنظر إلى الفراغ أمامها:

أشعر برغبة في البكاء. لا أعلم لماذا لا أتحرك. أعلم أني ضعيفة وصغيرة مقارنة باتساع هذا العالم والكون المحيط به. لذلك لا أهمية لشعوري في ظل المليارات من مشاعر البشر المهملة في زواياهم. لا أقصد التقليل من أهمية شعوري وتهميش نفسي حتى يكون تأثير ذلك عكسيا كمحاولة ماكرة لجذب اهتمام الاخرين وتعاطفهم، على العكس من ذلك، أنا لا أعتقد أني بتلك الأهمية التي تجعل أحداً من الناس يكترث لرغبتي في البكاء من عدمها... 


قاطعتها قائلة:

- عزيزتي أعتقد أتك تتوهمين عدم اهتمام الاخرين بك. فمثلا أنا هنا الان بجانبك وأهتم لك ولمشاعرك.

نظرت هنادي إلي بامتنان وأكملت:

ولهذا أنت غالية على قلبي، لكني أظن أنها حاجتي للبوح. وذلك بما أني أكون في حالات كثيرة ميالة إلى الصمت لا أفصح عما بداخلي لمن هم حولي، وليس سبب ذلك اعتقادي أنهم أقل وعياً من أن يفهموا معضلتي، ولا أني أحسب نفسي أكثر أهمية -لا سمح الله- من أن يستوعبني الاخرون.

- ماذا اذن؟


 رددت بحيرة، فاستطردت قائلة:

- ببساطة أنا لا أفصح لأني لا أعتقد أن ما سأتحدث عنه سيكون ذا أهمية. ليس شيئا يستحق الاستماع له وإعارة الانتباه، ليست لفترات طويلة على أي حال تكفي للانتهاء من تفريغ طاقتي السلبية. فلم أتكبد إذن عناء الافصاح والمغامرة بكشف نقاط ضعفي واضطرابي للآخرين في حين أن لا أحد منهم حقيقة تربطني به تلك الصلة الوطيدة التي تجعل هذا ممكنا أو مقبولاً. لذلك ما دمت لن أستفيد في كلتا الحالتين فـ أفضل الاعتصام بالصمت وحفظ كرامتي من أن تسكب في غير ضرورة ولغير ما فائدة ظاهرة.


رددت على كلامها مستغربة:

- ربما يكون معك حق، لكن هل يكون هذا السكوت بغير تأثيرات موجعة يخلفها؟

- لا. فقط إلى الحد الذي يتوقع فيه من أي مضاد حيوي أن يفيد الجسم مع خلوه من أي آثار جانبية. على أية حال سواء كان الصمت محبذا أو منبوذا فإني أفضله على غيره من ردود الفعل وذلك بحكم تعودي وتأقلمي على الاحتفاظ بمشاعري لنفسي. أعلم أني أعبر الآن عن مشاعري، لكن هذا فقط لأنك قريبة مني يا عزيزتي. ولأني اثق بك. لكن غالباً ما أكون منكفأة على ذاتي، متمركزة حول ظلي لدرجة أني أجد من السهل بل ومن المغري الحديث عن نفسي مقارنة بالحديث عن شيء آخر. ربما يرجع ذلك أيضا لقلة خبرتي الحياتية واختلاطي بالاخرين.

- أعلم هذا وأشعر بك. لكني أعتقد أنك يجب أن لا تكتمي ما بداخلك لأنها حاجة طبيعية وانسانية، ولا عيب في أن يبدي الانسان ما يحبه أو يكرهه أو يرغب به للمقربين له من الناس. بالمناسبة يمكنك أن تستعملي كتاباتك كوسيلة تفريغ للورق اذا كان الحديث الى الناس لا يفيدك أو يخفف عنك.


- صدقت. الكتابة فيها شفاء من ألم الشعور والكبت. ولكني لا أظنني أبلي حسناً في هذا الأمر أيضا. يحزنني قلة انتاجي في الكتابة. أعلم جيدا أنه حتي يستطيع الكاتب انتاج محتوى ذا قيمة ومعنى فإن ما يلزمه هو أن يكون ذا خلفية ثقافية تؤهله لانجاز مثل هذا العمل. يجب عليه أن يختبر ما استطاع اختباره من تجارب الحياة ومواقفها المتنوعة، وأن يصاحب جمعاً من الشخصيات المختلفة في نشأتها وعلمها، وظروف معيشتها، ومبادئها الاخلاقية، وأعتقد أنه يلزمه الاطلاع أو زيارة بقاع مختلفة من العالم ربما تبعد أو تقرب من مسقط رأسه، لكن الأهم أن تتميز عنها في طبيعة البيئة والناس ونمط الحياة، كل هذا حتي يكون قاعدة متينة شاملة في فهم الناس والنفس البشرية، مما سيكسب الكاتب ثراء معرفيا، وتوسعا للمدارك على المدى الطويل وبالتالي يظهر نضجه، وعمق نظرته في الكتابة والتأليف.

- عظيم. أرى أن لديك رؤية واضحة حول ما يلزمك للمضي قدماً في هذا الأمر. أليس كذلك؟


أطلقت تنهيدة مريرة ثم قالت :

- الحقيقة أني أشعر أني متأخرة عن أقراني ممن يمارسون الكتابة، واللذين أتيح لهم أن ينهلوا من تجارب الحياة المختلفة في مجالات متنوعة وزاخرة بالحركة والنشاط. نعم لقد سافرت لبضعة دول ، وقابلت عدداً الاشخاص على اختلاف أوضاعهم الاجتماعية والثقافية، لكني لا أظن هذا كافيا. من الناحية الأخرى فصداقاتي محدودة، ومعرفتي بالعالم الخارجي لا يزال متاثرا بعزلتي الحالية.


قلت مهدئة من روعها مواسية لها:

- لا تقلقي يا صديقتي. أنا أثق بك وأعلم أنه بطريقة أو بأخرى ستنجحين في الخروج من فقاعتك هذه وتبسطين ذراعيك للدنيا الرحبة، وحينها ربما ستصنعين من قوقعتك تلك منبراً تعبّرين من خلاله عن بعض من هم في نفس وضعك من التقوقع، التواقين للافصاح والمترددين بشأن ايصال صوتهم للعالم جراء احساسهم بانعدام القيمة الذاتية، وهكذا يصبح الموقف فوز/فوز، وسيسعد كل بموقعه الحالي بدون الاضطرار الى تغيير لونه من أجل حقه المبسط في التعبير.


قالت أخيرا:

- أتمنى هذه فعلا. أليس هذا هو الهدف من الكتابة على أية حال؟ لكن الكلام سهل والعمل أصعب بكثير.

- لا يهم. لديك كل الوقت في هذا العالم لتبدأي تدريجيا في الانتاج والتدوين. والصبر هو من سيعينك على الاستمرار. ضعي عينيك على النهاية ولا تستعجلي النتائج. يوما ما ستصلين إلى نقطة الحلم. وعندها ستجدينني أصفق لك في سعادة، وسنتذكر معا هذه الجلسة

بكل الحنين.

- على الرغم من إدراكي صعوبة تحقق هذه الامر وبعده عني هذه اللحظة، الا أنني سأعزم أمري وأبدأ بالعمل إكراماً لإيمانك وثقتك بي. وعندما تتوقفني عقبة على الطريق سأتذكر كلماتك المشجعة هذه، وأشد الرحال إلى ذلك المنبر. فقط آمل ألا أكون وحدي حينها وأن يكون هناك من يستقبل تلك اللحظات الحافلة معي بالرضا والامتنان.




تعليقات

المشاركات الشائعة