بطل

والدي رحمه الله.
كان رجلاً عصامياً، بدأ حياته موظفاً مبتدئاً في إحدى الجهات الحكومية، وظل يكبر معها حتى صار علماً من أعلامها. وجه بطولته يكمن في أنه كان مقداماً لا يهاب صعاب الأمور، يراها هضبة كبيرة ولكنه يرى نفسه جبلاً بمواجهتها، لا كبراً واغتراراً، ولكن إيماناً منه بالله ويقيناً بعونه.
لم تكن الظروف المعيشية في صالحه دائماً، ولكنه لم يكن يستسلم لليأس، وكان يرفض أن يقنع بواقعه تخاذلاً بدون محاولة تغييره. كان يعمل عقله في استجلاب الأفكار التي يمكن أن تزيد من دخله، فتارة ينشئ مشروعاً خاصاً، وتارة يشارك أحداً من رفاقه عملاً، وتارة يستخدم خبرته الوظيفية ليكتسب منها بشكل مستقل. كان دائماً ما يتوصل إلى الحلول مهما بلغت مشكلاته، والأهم من ذلك أنه كان يحتاط لهذه المشاكل قبل أن تحدث. كان يدخر جزءاً من ماله للطواريء، ويشغل جزءاً آخر في أوجه الاستثمار المتعددة، وقد علمنا ذلك كيفية إدارة الدخل بطريقة تقينا صروف الدهر ونوازل الأيام.
ومن بطولته أنه لم يكن يشعرنا بهمومه وإن ثقلت عليه، وكان دائماً ما يجد وقتاً للحديث معنا والاهتمام بشؤوننا بالرغم من أعماله وانشغالاته. كان قدوتنا أنا وإخوتي في حسن الخلق، وكان يربينا بالأفعال لا بالتلقين، نراه يقضي حاجة المعوز فنتعلم الرحمة، ونراه ينفق على القريب والبعيد فنعتاد الكرم، ونراه يتغاضى عمن أساء إليه فنتدرب على كظم الغيظ والعفو عن الناس.
كان مثال للأخلاق الفاضلة يمشي على قدميه، رحمه الله رحمة واسعة، ورضي عنه، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة. انتهت حياته الحافلة بعد إنجازات وقصص نجاح ملهمة، عشنا تفاصيلها وحكمها و لا تزال حية فينا رغم رحيله عنا.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا برأي أو تعليق