المنظار الأسود

كنت جالسة مع بعض رفيقاتي في استراحة الغداء في العمل في الساعة الثانية ظهراً، كنا منشغلين بتناول الطعام على عجل لأن وقت الاستراحة ليس طويلاً، قرب الانتهاء قالت إحدى رفيقاتي: لقد مللت العمل، وضقت ذرعاً بعدم التقدير لعملي الذي أفعله، لا يقول لي مديري كلمة طيبة تشجعني على الاستمرار، أعلم أن هذا واجبي وأنا أفعله على اية حال، لكن ثناء بسيطاً لن يضر بل سيرفع عزيمتي الى السماء فأعمل بكل حماس. لكن مديرنا لا يبالي بذلك. كل عمله هو العمل والنتائج ولا تهمه نفسية الموظفين.
ثم استرسلت في مساوىء المدير وعيوبه وهي تبدي نفاد صبرها منها. نظرت اليها ثم اكملت طعامي من غير اكتراث، ولم اتحدث لكن رفيقاتي الاخريات شاركوها في حلقة الشكوى هذه وكل تدلي بدلوها حول عيوب المدير. وكانت هذه عادتهم كل يوم على الغداء! فكرت: ألم يملوا من تكرار نفس الحديث يومياً، ألم يعد هناك ما يمكن أن نتحدث فيه غير هذا؟ ياله من شيء مضجر ومثير للحنق في نفس الوقت. على العموم هذا ما ينطبق على مجموعة كبيرة من حولي من الناس.
مؤخراً صرت أرى ظاهرة منتشرة بين الناس في المجالس، كثرة الحديث السلبي والتذمر، حيث صار الأغلب- إلا من رحم ربي- يتبرم ويشتكي من شيء ما غير راض عنه في حياته، يمكن أن يكون عمله، أو زوجته، أو أطفاله، أو وضعه المالي، أو وجود الناس السيئة حوله.. إلى آخر ذلك من الأمور التي لا حصر لها. صار هذا التشكي هو ديدن بعض الناس كلما جلسوا للحديث، حتى أنهم يتساءلون فيما بينهم من وضعه أسوأ من الآخر ومن يعاني في حياته أكثر، وكأنه لم يبق حديث في الدنيا إلا حديث الشكوى والتذمر.
حين تسأل أحدهم عن سبب استمراره في الشكوى كل يوم رغم أن لا شيء يتغير من حوله، يقول: دعني. فأنا أفضفض. وهذا من حقي. وهو يعني بذلك أنه ينفس عن غضبه ويأسه من تغير الحال. لكن هل تكون الفضفضة لعموم الناس؟ قريبهم وبعيدهم؟ من يهتم ومن لا يهتم؟ في كل زمان ومكان؟ بالطبع لا. فالفضفضة لا تكون إلا للمقربين اللذين هم محل ثقة وأمانة، ولديهم من الحكمة ما يؤهل جعلهم ملجأ للفضفضة، وحتى مع هؤلاء لا تكون الفضفضة كل يوم وبشكل مستمر، بل تحدث مرة واحدة، وبشكل خاص، ولا تتكرر إلا بعد فترة طويلة، بعد تطبيق جميع الحلول الممكنة، وبدون التوصل إلى نتيجة إيجابية.
لكن ما أراه في الواقع، أن كثيراً من الناس يتذمرون بتلقائية وبدون وعي، هم لا يدركون أنهم ينظرون بسلبية إلى كل شيء يحدث لهم. يحسبون أن ما يفعلونه هو مجرد دردشة، وتفريغ للمشاعر التي يحسونها بطريقة مشروعة. ولكن الطامة الكبرى أنهم لا يدركون مدى تأثير هذا الكلام على أنفسهم، وعلى من حولهم. إنهم لا يدركون كيف يسهم هذا الحديث بزيادة التسخط والشعور بالتعاسة، وكيف يجعل المتكلم والمستمع يرى العالم حوله بنظارة سوداء قاتمة لا مكان للأمل والتفاؤل فيها، فيزداد غماً إلى غمه، ويشعر أنه ضحية لا تملك أن تفعل شيئاً لتنقذ نفسها من هذا الظلم والبؤس التي هي عالقة به، وبالتالي ينتج عن ذلك ظهور أفراد لا يدركون نعم الله المحيطة بهم في كل لحظة، لا يشعرون بالامتنان لما هو موجود في حياتهم، ولا يقارنون أنفسهم بمن هم أسوأ حالاً وأردى معيشة، وبالتالي لا يشعرون كم هم محظوظون ويتنعمون بأفضال الله حتى في أسوأ أيام حياتهم.
هؤلاء هم من يعيشون بانتظار أن تحدث لهم معجزة تنتشلهم من هذا الوضع المزري الذي يرون أنهم لا يستحقونه، وبذلك تمر الشهور والسنوات وهم ينتظرون حدوث شيء ما، ولكن لا شيء يحدث، لا يوجد تغير ولا تبدل للحال إلى الأفضل، بل ربما يزداد الوضع سوءاً بمرور الوقت، وكل ذلك لسبب بسيط وبديهي، ذلك لأن (الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وهذا هو مربط الفرس، هذه هي نقطة التحول التي ستغير حياتهم جذرياً إن وعوها جيداً.
يكون ذلك حين يبدأ هؤلاء بالنظر في النفس التي أودعها الخالق فيهم، وقراءة عيوبها، والوقوف على المصاعب التي تواجهها، ومن ثم التعلم، والسؤال، والبحث لإيجاد حلول وأجوبة لها، والاستمرار في ذلك، وعدم الاستسلام حتى آخر لحظة من العمر. هكذا ينبغي أن تكون الحياة الحقيقية التي يجب أن يعيشها الانسان ويسعى إليها، حياة النظر والشك والسؤال ثم السعي لمعرفة الحق وجهاد النفس على قبوله واتباعه. ومن ثم فإن مفتاح التغيير لأي إنسان يقع بيده أولاً، وهو يأتي من الداخل، من قوة إيمانه بالله تعالى أولاً، ومن ثم بالعلم وسؤال أهل الذكر، وبالعمل والاجتهاد، وقراءة الواقع، ليتوصل بذلك إلى الطرق التي توصله إلى نور الحياة وحقيقتها.

تعليقات
إرسال تعليق
شاركنا برأي أو تعليق