مالذي أفخر به


 الشعور بالفخر نسبيٌّ بامتياز؛ فما يراه المرءُ ذروة المجد، قد يراه غيره أمراً عادياً لا يسترعي الانتباه، وهذا التباين طبيعي تماماً، فالمقاصد تختلف والنوايا لا تتشابه. يقضي الإنسان شطر حياته، بوعيٍ أو بدونه، ساعياً خلف إنجازٍ يمنحه صكّ الاعتزاز بالنفس، وينشد في طوايا أعماله قبول الآخرين ونيل إعجابهم، وهي حاجة نفسية فطرية تتخذ مساراتٍ شتى.

فمن الناس من يحصر فخره في بريق المادة؛ فيفني عمره في ملاحقة الثروة ليتيح لنفسه اقتناء كل ما يظنه سيجلب له الفخر. ولعلّ هذا السعي ينبع –بشكل خفي– من ضغوطٍ اجتماعية، تكون نتيجة للانتماءٍ لمجتمعٍ يقدس المظاهر، ويحتفي بالثراء. لكنّ هذا الحرص قد ينطفئ تماماً لو أن الأقدار نقلت هذا الشخص إلى مجتمعٍ آخر لا يلقي للمال بالاً، ولا يقيم للمظاهر وزناً.

وفي مقابل ذاك، نجد من ينشد الفخر في المعاني والصورة الذهنية؛ فيجتهد ويكابد ليرسم لنفسه ملامح "الإنسان الناجح" في عيون مجتمعه؛ المستقر في حياته، والمعروف بحسن سيرته. قد يكون ذلك عبر وظيفةٍ بلقبٍ بَرّاق، أو بتأسيس مشروعٍ يكون هو رأسَه، وله فيه أتباع وحلفاء، أو حتى بتبني تيارٍ فكري، أو سياسي، أو ديني يتخذه رسالةً لحياته، ويدعو الناس إليه.

وهناك صنفٌ ثالث، يجد فخره في تفاصيل الحياة اليومية، وقيمها الوجدانية؛ فيعتز بقدرته على الانضباط الذاتي، ويفخر بلين قلبه وتعاطفه مع من يحتاجه، ويرى مجده الحقيقي في تربية أبناءٍ نجباء، أو في برٍّ صادق بوالديه، أو في محبةٍ وضعها الله له في قلوب الخلق. وكل هذه محامدُ مشروعة لا ضير منها، إلا إذا اغترّ بها المرء وتجاهل فضل الله، ومنته عليه فيها.

أما على الجانب المظلم، فنرى من يفخر باختراق "عالم المحظورات"؛ ذاك الذي يتبجح باقتناص ما أحجم عنه الناس ورعاً أو خوفاً. يرى في تمرده على القيم بطولة، وفي الغوص في العوالم السفلية فروسية، فيقصّ مغامراته بزهوٍ، لينتزع نظرات الإكبار من معجبيه لأنه تحدى الممنوع، وكسر القيود، ولم يدر أنه على حافة الهاوية.

إن هذا التعدد في مشارب الفخر يضعنا أمام تساؤلٍ جوهري: أين يكمن الفخر الحقيقي الذي لا يذوي بمرور الزمن؟ 

إن الفخر الصادق ليس رداءً نرتديه ليبهَر العيون، بل هو طمأنينة داخلية تنبع من انسجام المرء مع مبادئه، ومن تلك اللحظات الخفية التي ينتصر فيها الإنسان على ضعفه وهواه. هو ذاك الشعور الذي يغمر القلب حين ندرك أن أثرنا في الحياة كان بناءً، وأن وجودنا لم يكن عبئاً على الوجود.

لذا، حين يطرق قلبك هذا النوع من الفخر، وتستشعر تلك العزة الصادقة، فاعلم أنها في جوهرها هبةٌ سماوية، ولطفٌ ساقه الله إليك لتغدو منارةً تفيض بالخير، وشاهداً على العدل، ومرآة للجمال في أرضه؛ فما كان لخطاك أن تستقيم لولا فضله، وما كان لقلبك أن يزهو لولا توفيقه، {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة